Sabar
وعليك بالصبر فإنه ملاك الأمور ولا بد لك منه ما دمت في هذه الدار وهو من الأخلاق الكريمة والفضائل العظيمة قال الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين) وقال تعالى: (وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا) وقال تعالى: (إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “الصبر أمير جنود المؤمن” وقال عليه الصلاة والسلام: “في الصبر على ما تكره خير كثير” وفي وصيته لابن عباس رضي الله عنهما “واعلم أن النصر مع الصبر وأن الفرج مع الكرب وأن مع العسر يسراً”.
(واعلم) أن السعادة موقوفة على حصول القرب من الله وحصوله موقوف على اتباع الحق واجتناب الباطل أبداً، والنفس مجبولة بأصل فطرتها على كراهية الحق والميل إلى الباطل، فلا يزال من همه تحصيل السعادة في حاجة إلى الصبر تارة بحمل النفس على اتباع الحق، وأخرى بحملها على اجتناب الباطل.
والصبر على أربعة أقسام (أولها) الصبر على الطاعات، ويحصل باطناً بالإخلاص وحضور القلب فيها، وظاهراً بلزومها والدوام عليها والدخول فيها بنشاط والإتيان بها على الوجه المشروع.
ويبعث على هذا الصبر ذكر ما وعد الله على فعل الطاعات من الثواب عاجلاً وآجلاً، ومن لزم الصبر على هذا الوجه وصل إلى مقام القرب وهناك يجد في الطاعات من الحلاوة واللذة والأنس ما لا يوصف، وينبغي لمن حصل له هذا الأمر أن لا يسكن إليه دون الله.
(وثانيها) الصبر عن المعاصي ويحصل ظاهراً باجتنابها والبعد عن مظانها، وباطناً بترك تحدث النفس بها وميله إليها؛ لأن أول الذنوب خطرة. وأما تذكر الذنوب السالفة فإن كان يحصل به خوف أو ندم فهو حسن وإلا فتركه أحسن، ويبعث على هذا الصبر تذكر ما توعد الله به على المعاصي من العقاب عاجلاً وآجلاً، ومن واظب على الصبر على هذا الوجه أكرمه الله بوجود الأنفة من المعاصي كلها حتى يصير دخول النار أهون عليه من ارتكاب أدناها.
(وثالثها) الصبر على المكاره وهي نوعان:
“الأول” ما يحصل من الله بلا واسطة كالأمراض والآفات وذهاب الأموال وموت الأعزة من الأقارب والأصحاب، ويحصل باطناً بترك الجزع وهو التبرم والتضجر، وظاهراً بترك الشكوى إلى الخلق، ولا يناقضه وصف العلة للطبيب وفيضان العين عند المصيبة نعم يناقضه لطم الخدود وشق الجيوب والنياحة ونحو ذلك.
ويبعث على هذا الصبر العلم بأن الجزع مؤلم في نفسه وهو مع ذلك مفوت للثواب وموجب للعقاب، وأن الشكوى إلى من لا يستطيع أن ينفع نفسه ولا أن يكشف عنها ضراً من الحماقة وهذه صفة كل مخلوق، ومع ذلك فالشكوى دالة على عدم الاكتفاء بالله الذي بيده ملكوت كل شيء، وذكر ما في الصبر على المصائب والعاهات والفاقات من الثواب وأن الله تعالى أعلم بما يصلح له من نفسه. وقد قال الله تعالى: (ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات) إلى قوله تعالى: (وأولئك هم المهتدون).
ومن لزم الصبر على هذا الوجه ذوقه الله حلاوة التسليم وروَّحه برَوح الرضا وسيأتي إن شاء الله تعالى ذكر الرضا فيما بعد.
“والنوع الثاني” من المكاره ما يكون من قِبَل الخلق من الأذى في النفس أو العِرض أو المال.
ويحصل كمال الصبر على ذلك بكف النفس عن بغض المؤذي إن كان مسلماً، وعن حبِّ الشر له، وكف اللسان عن الدعاء عليه وترك المؤاخذة له رأساً؛ إما حلماً واحتمالاً أو عفواً وصفحاً اكتفاء بنصرة الله في الأول ورغبة في ثوابه في الثاني.
ويبعث على هذا الصبر العلمُ بما ورد في فضل كظم الغيظ واحتمال الأذى والعفو عن الناس، قال الله تعالى: (فمن عفا وأصلح فأجره على الله إن الله لا يحب الظالمين) وقال تعالى: (ولمن صبر وغفر إن لك لمن عزم الأمور).
وقال عليه الصلاة والسلام: “من كظم غيظاً ولو شاء أن ينفذه لنفذه ملأ الله قلبه أمناً وإيماناً”. وقال عليه السلام: “ينادي مناد يوم القيامة ليقم من أجره على الله فيقوم العافون عن الناس”.
ومن لزم الصبر على هذا الوجه أكرمه الله بحسن الخلق وهو رأس الفضائل وملاك الكمالات.
وقال صلى الله عليه وسلم: “لاشيء أثقل في الميزان من حسن الخلق وإن العبد لَيبلغ بحسن خلقه درجة صاحب الصلاة والصيام”.
وقال عليه السلام: “أحبكم إلي وأقربكم مني مجلساً يوم القيامة أحسنكم خُلُقاً”.
وقال ابن المبارك رحمه الله تعالى: حسن الخلق بسط الوجه وبذل المعروف وكف الأذى.
وقال الإمام الغزالي نفع الله به: حسن الخلق هيئة راسخة في النفس تصدر عنها الأخلاق الجميلة بسهولة.
(ورابعها الصبر عن الشهوات) وهي كل ما تميل النفس إليه من مباحات الدنيا، ويحصل كمال الصبر عنها بكف النفس باطناً عن التفكير فيها والميل إليها، وظاهراً بكفها عن طلبها والتعريج عليها، ويبعث على هذا الصبر العلم بما في طلب الشهوات وتناولها من الشغل عن الله وعن عبادته ومن التعرض للوقوع في الشبهات والمحرمات ومن هيجان الحرص على الدنيا وحب البقاء فيها والتمتع بشهواتها، قال أبو سليمان الداراني رحمه الله ترك شهوة واحدة أنفع للقلب من عبادة سنة ومن أدمن الصبر عن الشهوات أكرمه الله بإخراج حبها من قلبه حتى يصير يقول كما قال بعض العارفين أشتهي أن أشتهي لأترك ما أشتهي فلا أجد ما أشتهي وبالله التوفيق.









One Comment