Adil
وعليك بالعدل في رعيتك الخاصة والعامة وكمال الحفظ والتفقد لها؛ فإنه الله تعالى سائلك عنها وكل راع مسؤول عن رعيته. وأعني برعيتك الخاصة جوارحك السبع وهي اللسان والسمع والبصر والبطن والفرج واليد والرجل فإن هذه الجوارح رعية استرعاك الله إياها وأمانة ائتمنك عليها فعليك بكفها عن معصيته واستعمالها في طاعته؛ فإن الله تعالى إنما خلقها لك لتطيعه بها وهي من أجل نعم الله عليك، وشكرها أن تطيعه سبحانه بها وأن لا تعصيه بشيء منها، فإن تركت ذلك ولم تفعله فقد بدلت نعمة الله كفراً، ولولا أن الله تعالى سخر لك هذه الجوارح وجبلها على طاعتك لكنت لا تستطيع أن تعصي الله بشيء منها، وكل جارحة منها تقول لك بلسان حالها إذا أردت أن تعمل بها معصية: يا عبد الله اتق الله ولا تكرهني على فعل ما حرم الله علي فإذا عصيت الله بها ترجع إلى الله وتقول قد نهيته يا رب فلم يسمع وأنا بريئة مما صنع، وسوف تقف بين يدي الله تعالى فتنطق جوارحك شاهدة لك بما عملت بها من خير، وعليك بما عملت بها من شر في يوم (لا مرد له من الله ما لكم من ملجأ يومئذ وما لكم من نكير) (يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم).
وأعني برعيتك العامة من جعل الله لك عليه ولاية من ولد وزوجة ومملوك فكل هؤلاء من رعيتك، والواجب عليك إرشادهم إلى القيام بما فرض الله عليهم من طاعته وما حرَّم عليهم من معصيته، واحذر أن تسامحهم في ترك واجب أو ارتكاب محرم، وادعُهم إلى ما فيه نجاتهم وسعادتهم في الدار الآخرة، وأحسن أدبهم ولا تغرس في قلوبهم حب الدنيا وشهواتها فتكون بذلك مسيئاً إليهم، وقد ورد أن أهل الإنسان وولده يتعلّقون به بين يدي الله، ويقولون: يا ربنا إن هذا لم يعرِّفنا ما أوجبت علينا من حقك فاقتصَّ لنا منه.
(وعليك) بمعاملتهم بالعدل والفضل، أما العدل فهو أن توفِّيهم حقوقهم التي أوجبها الله لهم عليك من النفقة والكسوة والمعاشرة بالمعروف، ومن العدل الواجب أن تردع بعضهم عن ظلم بعض وتقتص لمظلومهم من ظالمهم وفي الحديث: “إن العبد يكتب جباراً وما يملك إلا أهل بيته” يعني فيجور عليهم.
وأما الفضل فهو أن لا تستقصي عليهم في طلب الحقوق التي أوجبها الله لك عليهم، وأن ترفق بهم وتخالقهم بالأخلاق الكريمة وتباسطهم في بعض الأوقات من غير إثم بقدر ما تزول الوحشة والتنفير وتبقى الهيبة والتوقير.
(وعليك) بالعفو عن مسيئهم والصفح عن جانيهم، واجعلهم باطناً في حل مما اختلسوه من مالك، فإنك سوف تجد ذلك في كفة حسناتك، فلا ينبغي أن يكون حظك منهم الثواب وحظهم منك العقاب. وقد سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: كم يُغْفَرُ للرقيق في كل يوم؟ قال: “سبعون زلة”.
وهذه المسامحة إنما هي في حقوقك، وإما في حقوق الله فلا وجه لها.
وخُص النساء من أهل بيتك بمزيد حفظ وتفقد فإنهن ناقصات عقل ودين وعلمهن أحكام الحيض وفرائض الغسل والوضوء والصلاة والصيام وحقوق الأزواج وما يجري مجرى ذلك.
وقد تتسع رعية بعض العباد كالسلاطين والعلماء، وكل راع مسؤول عن رعيته. قال تعالى (إن الله يأمر بالعدل والإحسان) الآية وقال عليه الصلاة والسلام: “اللهم من ولي من أمر أمتي شيئاً فرفق بهم فارفق به ومن شق عليهم فاشقق عليه” وقال عليه الصلاة والسلام: “ما من وال يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة” الحديث.
(وعليك) ببر الوالدين فإنه من أوجب الواجبات وإياك وعقوقهما؛ فإنه من أكبر الكبائر قال تعالى: (وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحساناً) الآية والتي بعدها وقال تعالى: (أن اشكر لي ولوالديك) فانظر كيف قرن الأمر بالإحسان إليهما بتوحيده وشكرهما إياه بشكره فعليك بابتغاء مرضاتهما وامتثال أمرهما ما لم يكن معصية، واجتناب نهيهما ما لم يكن طاعة واجبة، وبإيثارهما على نفسك وتقديم مهماتهما على مهماتك.
ومن العقوق أن تؤذيهما بقطع ما تستطيع إيصاله من المعروف إليهما فكيف بتقطيب الوجه والانتهار لهما، فقد قال عليه الصلاة والسلام: “يوجد ريح الجنة من مسيرة ألف عام ولا يجده عاق ولا قاطع رحم ولا شيخ زان ولا مسبل إزاره خيلاء، إنما الكبرياء لله رب العالمين”.
وقال عليه الصلاة والسلام عن الله تعالى: “من أصبح مرضياً لوالديه مسخطاً لي فأنا عنه راض ومن أصبح مسخطاً لوالديه مرضياً لي فأنا عنه ساخط”.
(وينبغي) للوالد أن يعين ولده على بره بعد الاستقصاء عليه في طلب الحقوق، ولا سيما في هذا الزمان الذي عز فيه وجود البر وعم فيه وجود الشر، وصار الولد يَعُدُّ أبر أولاده من لم يسيء إليه منهم، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “رحم الله والداً أعان ولده على بره”.
(وعليك) بصلة الرحم الأقرب فالأقرب، وبالإحسان إلى الجيران الأدنى باباً فالأدنى. قال الله تعالى: (واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً وبالوالدين إحساناً وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب) الآية.
وقد أمر الله بالإحسان إلى القرابة في مواضع عديدة من كتابه العزيز. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “الصدقة على القرابة صدقة وصلة” وقال عليه السلام: “من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليصل رحمه” وفي حديث آخر: “من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره”. وقال عليه الصلاة والسلام: “ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى خشيت أنه سيورِّثه”.
ولا تتم صلة الأرحام والإحسان إلى الجيران إلا بكف الأذى عنهم واحتمال الأذى منهم وبذل المعروف حسب الاستطاعة لهم.
وقد قال عليه الصلاة والسلام: “ليس الواصل بالمكافئ إنما الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها” وقال عليه الصلاة والسلام: “وطنوا أنفسكم على أن تحسنوا إذا أحسن الناس ولا تسيئوا إذا أساءوا”. وبالله التوفيق.









One Comment