Wara’
(وعليك) بالورع عن المحرَّمات والشبُهات؛ فإن الورع ملاك الدين، والذي عليه المدار عند العلماء العاملين. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “كل لحم نَبَتَ من سُحت فالنار أولى به” وقال عليه الصلاة والسلام: “من اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام”.
(واعلم) أن الذي يتناول الحرام والشبهات قلَّ أن يوفق لفعل العمل الصالح، وإن وفق له ظاهراً فلا بد أن يعرض له من الآفات الباطنة ما يفسده عليه كالعُجب والرياء.
وعلى كل حال فالذي يأكل الحرام عمله مردود عليه؛ لأن الله طيب لا يقبل إلا طيباً.
وبيان ذلك أن الأعمال لا يتصور فعلها إلا بحركات الجوارح، وحركات الجوارح لا تستطاع إلا بالقوة المكتسبة من الغذاء، فإذا كان الغذاء خبيثاً كانت القوة والحركات المتولدة منه خبيثة، قال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: لو صليتم حتى تكونوا كالحنايا، وصمتم حتى تكونوا كالأوتار لم يتقبل الله ذلك منكم إلا بورع حاجز. (وروي) مرفوعاً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من اشترى ثوباً بعشرة دراهم وفيها درهم من حرام لم يتقبل الله له صلاة ما دام عليه شيء منه” وإذا كان هذا حكم الثوب الذي عشر ثمنه من حرام فكيف يكون الحال لو كان كله كذلك! وإذا كان هذا في الملبوس الذي هو على ظاهر الجسد فما الظن به في الغذاء الذي يتخلل العروق والأوصال ويسري في سائر البدن؟
(واعلم) أن المحرمات قسمان:
(أحدهما) شيء محرم لعينه كالميتة والدم والخمر ونحو ذلك، وهذا النوع لا يحل بوجه من الوجوه إلا عند الضطرار وهو توقف بقاء النفس المحترمة على تناوله مع فقدان غيره.
(والثاني) حلال في نفسه كالحنطة والماء الطاهر ولكنه مملوك لغيرك فلا يزال محرماً عليك حتى يصير إليك من وجه سائغ في الشرع كالبيع والهبة والإرث ونحو ذلك.
وأما الشبهات فهي درجات (فمنها) ما تُيُقِّن تحريمه وشُك في حله وهذه الشّبه حكمها حكم الحرام.
(ومنها) ما تيقن حله وشك في تحريمه وهذه الشبه تركها من الورع.
(ومنها) ما هو بين ذلك كالذي يحتمل أن كون حلالاً ويحتمل أن يكون حراماً. وقد قال عليه الصلاة والسلام: “دع ما يريبك إلى ما لا يريبك”.
وإنما يستدل على ورع الرجل بإحجامه عن الأمر المشكل حتى يتضح، ولا يكون العبد من المتقين حقاً حتى يترك الحلال المحض الذي يخشى عند تناوله الوقوع في ما وراءه من الشبهات والحرام. وقد قال صلى الله عليه وسلم: “لا يبلغ العبد درجة المتقين حتى يترك ما لا بأس به حذراً مما به بأس” وقالت الصحابة رضوان الله عليهم: كنا نترك سبعين باباً من الحلال مخافة الوقوع في الحرام، وهذا أمر قد تُودِّع منه من زمان قديم فمن لنا بورع يحجزنا عن الشبهات والمحرمات فلا حول ولا قوة إلا بالله.
(وعليك) بمعرفة جميع ما حرم الله عليك لتجتنبه فإن من لا يعرف الشر يقع فيه.
(واعلم) أنه لا يُخشى على ذي دين من وقوعه في تناول المحرمات العينية كأكل ما لا يحل أكله من الحيوانات، ولا في أخذ أموال الناس عدواناً وظلماً بالغصب والنهب والسرقة؛ فإن ذلك إنما يصدر غالباً من جبار عنيد أو شيطان مريد، وإنما دخل الاشتباه على أهل الدين من حيث إهمالهم النظر في ثلاثة أمور:
“الأول” ترك التفتيش في موضعه، وبيان ذلك أن الناس ينقسمون بالنسبة إليك ثلاثة أشخاص:
“شخص” معروف عندك بالخير والصلاح فكل من طعامه وعامله إذا شئت ولا تسأل.
“والثاني” شخص مجهول عندك ولا تعرفه بخير ولا بشر، فإذا أردت أن تعامل هذا أو تقبل هديته فمن الورع أن تسأل، ولكن برفق حتى إنك لو عرفت أنه ينكسر قلبه لذلك كان السكوت أفضل.
“والثالث” شخص معروف عندك بالظلم كالذي يعمل بالربا ويجازف في بيعه وشرائه ولا يبالي من أي جهة يصل إليه المال، فينبغي أن لا تعامل هذا رأساً، وإن كان ولا بد فقدم التفتيش والسؤال، وهذا كله من الورع حتى تعلم أن الحلال في يده نادر عزيز فعند ذلك يجب عليك الاحتراز.
وإذا وصلت إليك عين تعلم أو ظن بعلامة ظاهرة أنها حرام أو شبهة فلا تتوقف عن ردها وإن وصلت إليك على يد أصلح الصالحين.
(والأمر الثاني) عدم الاحتراز من المعاملات الفاسدة والمكروة وطريق الخلاص أن تجتنب جميع البيوع الفاسدة والمكروهة. فلا تبع ولا تشتري إلا بصيغة صحيحة، ولا بأس بالمعاطاة في المحقرات، واجتنب الغش والكذب والحلف على السلع، ولا تكتم عيباً في سلعتك لو اطلع عليه المشتري لم يشترها بذلك الثمن.
(واحذر كل الحذر) من المعاملة بالربا؛ فإنه من الكبائر قال الله تعالى (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذَرُوا ما بقي من الربا إن كنت مؤمنين فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله) وقد لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهده.
وجملة القول في الربا أنه يحرم بيع النقد بمثله كالفضة بالفضة والمطعوم بمثله كالحنطة بالحنطة إلا مِثْلاً بمثل يداً بيد، فإن اختلف النوع كالذهب بالفضة والتمر بالحنطة جاز التفاضل ووجب التقابض في الحال، ولا ربا في بيع الحيوان بالحيوان والثوب بالثوب والمطعم بالنقد.
(وإياك) والاحتكار وهو أن تشتري طعاماً تعظم الحاجة إليه وتدخره بنية الغلاء.
(والأمر الثالث) الانهماك في شهوات الدنيا والتبسط في ملذوذاتها، فعند ذلك يعسر الورع ويضيق الحلال فإن هذا سرف والحلال لا يحتمل السرف، وأما من غرضُه من الدنيا أخذ قدر الضرورة أو الحاجة فالورع ميسر له.
قال حجة الإسلام نفع الله به: وإذا قنعت في السنة بقميص خشن، وفي اليوم والليلة برغيفين من الخشكار لم يعوزك من الحلال ما يكفيك؛ فإن الحلال كثير، وليس عليك أن تتيقن باطن الأمور بل عليك أن تحترز من كل ما تعلمه حراماً أو تظنه ظناً حصل من علامة ناجزة مقرونة بالمال انتهى.
وإذا حاك في نفسك شيء فمن الورع اجتنابه وإن أحله ظاهر العلم؛ فإن الإثم ما حاك في النفس وتردد في الصدر وإن أفتاك المفتون كما قال عليه الصلاة والسلام، وهذا خاص بمن له قلب مستنير، وفي جانب الكف دون الأخذ.
ولا تحسب أن الورع خاص بالمطعوم والملبوس، بل هو عام في جميع الأمور ولكن ينبغي لك إذا كان في يدك حلال وأحل منه أو حلال وشبهة أن تقدم المطعوم بما كان أحل أو أطيب؛ فإن المدار كله على الغذاء، وللطُّعمة من الحلال أثر كبير في تنوير القلب ونشاط الجوارح للعبادة، وقد قال بعض السلف: كل ما شئت فمثله تعمل. وقال إبراهيم بن أدهم رحمه الله تعالى: أطب مطعمك وما عليك أن لا تقوم الليل ولا تصوم النهار. فاعلم ذلك! وبالله التوفيق.









One Comment